عبد القادر الجيلاني
28
فتوح الغيب
ناصحا لكلّ طبقة ، محبّا للخير لها ، يحرص على إسعادها وإخراجها من الظّلمات إلى النّور ، ويقول مخاطبا لمستمعيه : « يا خلق اللّه ، إنّي أطلب صلاحكم ومنفعتكم في الجملة ، أتمنّى غلق أبواب النّار وعدمها بالكلّيّة ، وأن لا يدخلها أحد من خلق اللّه عزّ وجلّ ، وفتح أبواب الجنّة ، وأن لا يمنع من دخولها أحد من خلق اللّه عزّ وجلّ ، وإنّما تمنّيت هذه الأمنية لاطّلاعي على رحمة اللّه عزّ وجلّ وشفقته على خلقه ، قعودي لمصالح قلوبكم بتهذيبها ، لا لتغيير الكلام وتهذيبه ، لا تهربوا من خشونة كلامي ، فما ربّاني إلّا الخشن في دين اللّه عزّ وجلّ ، كلامي خشن وطعامي خشن ، فمن هرب منّي ومن أمثالي لا يفلح » « 1 » . ويقول في مناسبة أخرى ، وهو يصف الدّعاة إلى اللّه ، والعلماء الرّبّانيّين ، ورحمتهم بخلق اللّه ، وحرصهم على خلاصهم وسعادتهم : « كيف لا يرحمون العصاة وهم موضع الرّحمة ، مقام التّوبة والاعتذار ، العارف خلقه من أخلاق الحقّ عزّ وجلّ ، فهو يجتهد في تخليص العاصي من يد الشّيطان والنّفس والهوى ، إذا رأى أحدكم ولده أسيرا في يد كافر ، أليس يجتهد في تخليصه ، فهكذا العارف ، الخلق كلّهم كالأولاد » « 2 » . ويحكي - رحمه اللّه - حال من خصّه اللّه بهذه الشّفقة العامّة والنّصح الدّائم ، ويدخل في سوق ، وإنّما يصف نفسه الكريمة : « منهم من إذا دخل السّوق ، امتلأ قلبه باللّه لأهله ، فتشغله « 3 » الرّحمة لهم عن النّظر إلى ما لهم بين أيديهم ، فهو من حين دخوله إلى حين خروجه في دعاء واستغفار ، وشفاعة لأهله ، وشفقة ورحمة ، فقلبه محترق عليهم ولهم ، وعينه مغروقة لأجلهم ، ولسانه في ثناء وحمد للّه عزّ وجلّ بما أولى الكافّة من نعمه وفضله » « 4 » .
--> ( 1 ) الفتح الرباني ( المجلس التاسع والأربعون ) . ( 2 ) أيضا ( المجلس الثالث والخمسون ) . ( 3 ) في المطبوع : ( فتشغل ) . ( 4 ) فتوح الغيب ( المقالة الثانية والسبعون ) .